تَحوّلَ العالمُ مِنْ حولنا من فضاءِ النُدرة إلى الوَفرَة للكثير من الأشياء، هذه الوَفرة أدّت للاستهلاك القهري المفرط. ولَّدَ من الإدمان أنواعاً كثيرة. سواء أكان الإدمان لتعاطي المخدرات أو على سلوكيات وتصرفات قد لا نشعرُ بها، فيصاحبه حالة من اللذة والألم. هذا ما يتناوله كتاب “أمة الدوبامين” للدكتورة “آنا ليمبيكي” أستاذة الطب النفسي والإدمان في كلية الطب بجامعة ستانفورد.
أصبحت العلاقة بين اللذة والألم محوراً أساسياً لفهم ذواتنا، بالرغم من أنه تتم معالجتهما بالمكان نفسه في الدماغ إلا أنهما يعملان بشكل معاكس لتحقيق التوازن فينا. تقول الكاتبة: “سر الحصول على التوازن ينطوي على الجَمع بين علم الرّغبة وحكمة التعافي” تسرد الكاتبة في الكتاب قصصاً حقيقية لمرضى وقعوا فريسة الإدمان غير أنهم تمكنوا من الخروج منه عبر تحقيق التوازن، كما أنها عرضت تجربتها في إدمان قراءة الروايات الجنسية وكيف خرجت من هذا السلوك لتقدم رسالة مفادها أننا جميعاً غير محصنين ضد الاستهلاك القهري المفرط.
***
تناول الجزء الأول من الكتاب عن السعي وراء اللذة الذي ينتج عنه الإدمان. ويعرّف الادمان بأنه الاستهلاك المستمر والقهري لمادة أو سلوك بالرغم من ضرره على الفرد والمجتمع. حتى عندما تكون ظروف الحياة التي نعيشها جيّدة، فإنها لا تشكل مناعة ضد الإدمان، بل الإفراط في الاستهلاك هو ما يدفعنا لذلك. فمن المتعارف عليه أن الصدمات والاضطرابات الاجتماعية والفقر تزيد نسبياً من مخاطر الإدمان. وفي العصر الحالي أصبحت سهولة الحصول على المخدّر بكافة أنواعه عاملاً مهماً لخطورة الإدمان. وهي على بُعد ضغطة زر يصلك كل شيء (طعام، مواد استهلاكية….) أضف عليه المخدرات الرقمية المتاحة بين أيدينا طوال الوقت.
لكن… لماذا نلجأ إلى هذا الإفراط في الاستهلاك؟!
الأمر ببساطة هو للهروب من الألم، الهروب مما قد يسبب لنا منغّصات، نسعى لتشتيت انتباهنا عن اللحظة الآنية من أجل الترفيه، كلنا يهرب من الألم، البعض يتعاطى حبوبًا، والبعض الآخر يركن لأريكته لمشاهدة الأفلام والمسلسلات إلهاءً لذواتنا عن كينونتنا، إلا أن هذه المحاولات اليائسة لعزل النفس عن الألم فاقت الألم في حد ذاته. قبيل القرن العشرين اعتقدَ الأطباء أن نسبة معيّنة من الألم تُعد جيدة وصحية للجسم، اعتقاداً منهم أن الألم يعزز المناعة واستجابة القلب ويُسرّع عملية الشِفاء بالرغم من عدم وجود أدلة تثبت صحة هذا الاعتقاد، إلا أن استخدام المسكنات قد يُبطئ عملية الشفاء في العمليات الجراحية. لذا نجد الألم هو العدو الأول للأطباء في العصر الحديث يُحاولون السيطرة عليه من خلال الوصفات الهائلة من المسكنات والمخدرات والكثير منها أدى للإدمان.
مثال آخر لعملية الهروب من الألم هو ما نمارسه لأطفالنا من حماية مبالغ فيها، من تعقيم ونظافة والتعامل معهم كأنهم في مرحلة مرض لا مرحلة نمو وتطور. نسعى بشتى الوسائل لحمايتهم من الأذى والشدائد دون تجهيزهم بالأساسيات التي سيواجهون العالم بها.هنا ينتقل سلوك “الهروب من الألم” عبر الأجيال، فتنتشر خلاله الرغبات اللامحدودة للإنسان ويكون في حالة سعي دؤوب لإشباعها. يقول الكاتب “نيل بوستمان” صاحب كتاب (إمتاع أنفسنا حد الموت): “لم يَعد الناس يتحدثون مع بعضهم البعض، بل يَستمتِعُونَ ببعضهم بعضا، لا يتبادلون الأفكار بل الصور. لا يناقشون القضايا، بل يتناقشون حول المظهر الجيد والمشاهير والإعلانات”.
إذا ما الحل؟؟
يتمحور كُنه القضية في اتزان مستوى الدوبامين في الجسم!!الدوبامين ناقل عصبي في الدماغ يُسهِم بشكل كبير في عملية المكافأة للكائنات الحية عموماً. المشكلة أنه يدفع الكائن الحي للسعي الدائم للحصول على مكافآت أكثر دون محاولة الاستمتاع بها، أي أنه عندما تزداد كمية وسرعة إطلاق هرمون الدوبامين نتيجة الاستهلاك زَادَ الإدمان عليه، لذلك يُستخدم الدوبامين لقياس مدى احتمالية الإدمان لأي سلوك أو مخدر. هنا يتم التحكم بالألم واللذة بواسطة مستوى هرمون الدوبامين في الدماغ، ويمكن تشبيهما كالميزان عندما يميل لمستوى اللذة لفترة طويلة وتركيز عالي (جانب المتعة) يُتبعه الجسم بآليات التنظيم الذاتي إلى توجيه الثقل للجانب الآخر من الميزان (جانب الألم) ليحافظ على التوازن البيولوجي داخل الجسم. مع التعرّض المتكرر لنفس اللذة يُصبح الميل في الميزان لجانب المتعة ضعيف وقصير، واستجابة جانب الألم أقوى وأطول. وهي عملية يُسميها العلماء “التكيّف العصبي” هذا يعني أن عملية التنظيم الذاتي تُصبح أكبر وأسرع، فتحتاج للمزيد من المواد المثيرة للحصول على نفس التأثير السابق سواء كانت مخدرات أو سلوكيات. هنا يمكن أن نُطلق على الكائن مدمن.
***
تنتقل الكاتبة للجزء الثاني من الكتاب لتتحدث عن جهاد النفس أو إلزام الذات، واضعةً خطة علاجية لإدمان العقاقير والسلوكيات ذات المستوى العالي من الدوبامين تتمثل في ٨ خطوات صاغتها من مفردات كلمة دوبامين Dopamine باللغة الإنجليزية. تلك الخطوات من تطوير الدكتورة آنا ليمبيكي “مؤلفة الكتاب” نتيجةً لممارستها المهنية الطويلة يقوم أساسها على مبدأ (صيام الدوبامين) :-
١) حرف D البيانات (Data) البدء بتجميع الحقائق البسيطة للاستهلاك، والتعمق في التفاصيل الدقيقة.
٢) حرف O الأهداف (Objectives) الذي يحققها استخدام المخدر أو السلوك والمبررات التي تقف وراء الإدمان.
٣) حرف P المشاكل (Problems) المتعلقة بالاستخدام والتي لا يستطيع الأغلب رؤيتها على المدى الكامل أو البعيد.
٤) حرف A الامتناع (Abstimmen) عن التعاطي أو السلوك المحفّز للدوبامين حتى يتيح للجسم وقتاً كافياً لعملية التنظيم الذاتي في الدماغ لتقوم باستعادة التوازن.
٥) حرف M اليقظة (Mindefullness) هي الوعي بالأحاسيس والمشاعر وما يصاحبها من أفكار مؤلمة تنتاب الشخص بعد الامتناع عن التعاطي، والتوقف عن الهرب منها والسماح للنفس بالتسامح معها.
٦) حرف I البصيرة (Insight) هي النظرة الثاقبة لسلوكياتنا التي تنتابنا بعد الامتناع عن المخدّر المفضّل لدينا بعد ٤ أسابيع على الأقل. تُعد البصيرة مستحيلة في حال الاستمرار في السلوك الإدماني.
٧) حرف N الخطوات المقبلة (Next steps) الطريق الذي يسلكه المدمن بعد شهر من انقطاعه. فالكثير منهم يرغب بالعودة للاستخدام لكن بشكل مختلف وبحدّه أقل، بحيث يكون خاضعاً للرقابة. أما الخيار الأنسب فهو طبعاً الامتناع التام عن السلوك الإدماني.
٨) حرف E التجربة (Experiment) في هذه المرحلة يكون المدمن قد عاد إلى نقطة التوازن بين مستوى اللذة والألم، ويتم اختبار هذا التوازن بعملية تدريجية للتجربة والخطأ ليعرف المدمن ذاته أثر انتهاك الامتناع. هل يؤدي به للتصعيد في الاستهلاك أم يمتنع للأبد.
المنهج السابق قائم كما أشرت على (صيام الدوبامين) وهو أكثر ما يتناسب مع المخدرات والسلوكيات ذات المستوى العالي للدوبامين. أما بالنسبة لإدمان الطعام والمخدرات الرقمية التي أصبحت جزء من حياتنا اليومية نحتاج لاكتشاف كيفية تعديل سلوك استهلاكنا، ولتحقيق هذه الغاية تأتي استراتيجيات “جهاد النفس” ويُعرّف على أنه خلق حواجز عن قصد وطيب خاطر بين الذات وبين السلوك الادماني لأجل تخفيف الاستهلاك القهري، وهو اعتراف علنيّ بمحدودية الإرادة لدى الإنسان:-
١) جهاد النفس المادي (الفضاء): انشاء حواجز مادية أو مسافة جغرافية بين أنفسنا وبين السلوك الإدماني المفضل لدينا.
٢) جهاد النفس الزمني: استخدام الحدود الزمانية وخطوط النهاية، من خلال قصر الاستهلاك في أوقات معيّنة من اليوم أو الاسبوع أو السنة لتضييق نافذة الاستهلاك.
٣) جهاد النفس الفئوي: مرحلة متقدمة من الجهاد يتم تصنيف محفّزات الدوبامين إلى فئات، تلك التي نسمح أنفسنا باستهلاكها وتلك التي لا نسمح وهذا يساعد ليس فقط على تجنب المخدر المفضل لدينا، ولكن أيضا ينأى بنا عن المحفّزات التي تؤدي للسلوك الإدماني.
***
أخيراً تستعرض الكاتبة في الجزء الثالث عن الألم ودوره في خلق التوازن، الألم الذي طالما حاول الإنسان الابتعاد عنه وتجنّبه. أثبتت الدراسات أن الضغط على جانب الألم يمكن أن يؤدي إلى نقيضه وهي اللذة. وأن الدوبامين الناتج من الألم ربما يكون أكثرَ ديمومة، وذلك عن طريق تحفيز آليات الاتزان المنظّمة للجسم وهي استجابة فسيولوجية طبيعية. مثال على ذلك الاستحمام بالماء البارد لتحفيز إفراز الدوبامين وكذلك الصيام لكبح شهوات الجسم، مثلها كذلك التمارين الرياضية التي تُعد مؤلمة للجسد لكنها تُعتبر من معززات الصحة.شاع في الماضي منهج علاج الألم بالألم كالحجامة والكيّ والوخز بالإبر، وهي ممارسات الطب القديم لكن تراجعت شعبيتها في القرن العشرين بعد اكتشاف الطب العلاج بالأدوية. بعدها أصبح يُنظر إلى الألم لعلاج الألم على أنه نوع من الدجل. مؤخراً عادت بعض هذه الممارسات لتكون وسيلة تكاملية مع الطب الحديث.هناك صور أخرى من الألم ليست جسدية، وإنما نفسية تُسهم في الحد وتنظيم الاستهلاك القهري منها الصدق الصارم والاعتراف بالخطأ عند ارتكابه وهو فعل ثقيل ومؤلم على النفس، لكنه يعزز الوعي بأفعالنا وتدعيم الروابط الإنسانية ليخلق سيرة ذاتية صادقة تُحمّلنا المسؤولية حاضراً ومستقبلاً.
***
الإدمان مرض يتعدّى تأثيره للفرد ليشمل الأسرة والمجتمع، لذلك عندما يستجيب الأخرون للمدمن من خلال تقريبه وتقديم ارشادات للخلاص والتعافي فإنهم يُدخلونه في دائرة الدعم الاجتماعي الذي يسهم باحتواء الفرد ووقف أو تقليل السلوك المخزي خصوصاً إذا كان هذا الدعم من قِبل أفراد مروا بنفس تجربته. أما إذا تم رفضه وإدانته فإنه يدخل دائرة “العار المدمر” والذي يُعمّق التجربة العاطفية للعار ويُهيئ لاستدامة السلوك الذي أدى للشعور بالخزي في المقام الأول. إن الدعم الاجتماعي مهما كان نوعه لهو تأكيد لانتمائنا للقبيلة الإنسانية بدل الهروب من العالم الذي يمارسه الأفراد من خلال الانكفاء على أنفسهم.
أضف تعليق