
الطعام بهجة للإنسان وسعادة. يجتمع حوله ويتلذذ بتذوقه، يمنحه الطاقة والحيوية للحياة. بالمقابل هناك تأثير سيئ للطعام على الجسم يأتي من النوعية أو الكمية التي تمت تناولها. ارتفاع مستوى السكر الناتج من الطعام هو أحد هذه التأثيرات السيئة الذي يظهر تأثيره مباشرة على الإنسان أو على المدى البعيد بأشكال عدة، منها الاشتهاء الدائم للطعام، الخمول والتعب، حبوب الشباب والتجاعيد. بمرور الوقت تصيب الجسم أمراض السكري، السرطان والزهايمر.
يأتي هذا الكتاب “ثورة الجلوكوز” الصادر في عام ٢٠٢٢م ليسلط الضوء لمفهوم ارتفاع السكر في الدم وتأثيره على أعضاء وأجزاء الجسم المختلفة. يتطرق لأساليب يمكن إتباعها قبل أو بعد الأكل لتجنيب الجسم الارتفاع المفاجئ والهبوط الحاد للسكر في الدم. تستعرض الكاتبة هذه الطرق القائمة على أسس وأبحاث علمية مثبتة والتي يستطيع كل فرد إتباع هذه الطرق دون أن تكلفه شيء يذكر.
بدايةً تطرقت الكاتبة لمفهوم الجلوكوز وأهمية للجسم. فالميتوكوندريا (وحدة إنتاج الطاقة في الخلية) تعتمد عليه في انتاج الطاقة للجسم ATP، وفي غيابه يلجأ الجسم إلى الدهون لإنتاج الطاقة وهو ما ينبري تحت مفهوم “المرونة الأيضية”. يتم امتصاص الجلوكوز في الأمعاء الدقيقة بعد أن يتم هضم الطعام جيداً بدءاً من الفم مروراً بالمعدة إلى أن يصل إلى الأمعاء. يعتمد امتصاص الجلوكوز على نوعية الغذاء القادم منه، فمثلاً خذ الطعام الذي يحوي الكثير من الألياف، تعمل هذه الألياف على إبطاء عملية امتصاص الجلوكوز إلى مجرى الدم مما يقلل الارتفاع المفاجئ والسريع لمستوى سكر الدم. أما إذا كان الطعام أساسه الكربوهيدرات البسيطة والسكريات فإنه بالتأكيد سيسهم بارتفاع حاد ومفاجئ للسكر بالدم. والذي نقصده بالسكر هنا الجلوكوز والفركتوز، والذي يتم قياسه في أجهزة قياس السكر هو الجلوكوز أما الفركتوز فلا توجد التقنية للآن لقياسه بعد.
ما الذي يترتب على ارتفاع السكر بالدم؟
هذا ما يتحدث عنه الجزء الثاني من الكتاب. عندما يتم إغراق الميتوكوندريا بالجلوكوز فإن الخلايا تطلق بما يعرف بالجذور الحرة وهي عبارة عن جزيئات تعمل على خلق حالة من الإجهاد التأكسدي عندما تتراكم في الخلية يؤدي إلى تعطيل وظائفها وتدميرها. مع الوقت تظهر عند الإنسان الأمراض المزمنة الناتج عن حالة الإجهاد هذه. الجدير بالذكر أن الفركتوز ينافس ويتعدى الجلوكوز في عملية الإجهاد التأكسدي.
ومن الأمور التي تحدث بارتفاع سكر الدم ما يعرف بعملية الغلوزة (Glycation) وهي ارتباط جزئ السكر (الجلوكوز أو الفركتوز) مع جزئ آخر من البروتين أو الدهون مما يعمل على تدميره وخلخلة وظائف الأعضاء في الجسم. هذه العملية لا يمكن إيقافها لكن نستطيع إبطاء تقدمها بانخفاض تدفق السكر للدم. يمكن تشبه الغلوزة بعملية تحميص الخبز ليتحول من اللون الأبيض للون البني. للعلم أن الغلوزة بجزيء الفركتوز أسرع بــ ١٠ مرات من الغلوزة بجزيء الجلوكوز.
إذا وجدنا أن تراكم السكر في الدم يترتب عليه: إطلاق الجزور الحرة، الإجهاد التأكسدي، والغلورة. كل هذا يعمل على ظهور حالة دفاعية في الجسم يتخذها لمحاربة الغزاة وهو ما يعرف بالالتهاب. هذا الالتهاب مع الوقت يعمل على تدمير الأنسجة والأعضاء تدريجياً.
هذه المخاطر على المستوى الخلويّ داخل الجسم، أما ما يظهر على السطح من تأثيرات فهي كثيرة منها ما يكون مصاحب لفترة ارتفاع السكر والآخر يظهر على المدى البعيد.
مما يظهر على المدى القصير: الجوع والرغبة الدائمة للأكل، التعب المزمن، تأثر جودة النوم، الحرارة والتعرّق الليلي، تأثر الذاكرة والإدراك العقلي.
أما المخاطر على المدى البعيد فتظهر البثور على الجلد، التهاب المفاصل والهرم السريع، الزهايمر والخرف، خطر الإصابة بالسرطان، إمكانية ظهور نوبات الاكتئاب، اضطرابات الجهاز الهضمي، أمراض القلب والشرايين، متلازمة تكيّس المبايض، الإصابة بمقاومة الإنسولين والسكري، وتليّف الكبد غير المتعلق بالكحول نتيجة تراكم الدهون عليه.
كنتيجة لارتفاع السكر لا يقف الجسم دون ردة فعل، فما يفعله في المقابل هو ضخ كميات كبيرة من هرمون الإنسولين الذي يعمل على إدخال جزيئات السكر من مجرى الدم إلى داخل الخلية، لدرجة أن مستوى السكر في الدم قد ينخفض إلى ما دون المستوى الطبيعي مما يحفّز لدى الفرد مشكلة أخرى وهي الرغبة بتناول وجبات ذات سعرات حرارية عالية، وهكذا الدورة تعيد تكرارها بين هبوط وصعود في مستوى السكر في الدم.
***
الآن ما هو دورنا لمساعدة الجسم للحفاظ على مستوى السكر طبيعي، ما هي الأساليب والطرق التي تسهم في تجنب ثوران السكر في الدم، هذا ما تطرق له الجزء الثالث من الكتاب. حيث ناقش عشر طرق يمكن أن تتحايل بها على الجسم حتى تقلل الارتفاع السريع والمفاجئ للسكر، وبالتالي تكون ردة الفعل أقل شدة على المستوى الخلوي في الجسم.
الحيلة الأولى: تناول الطعام بالترتيب الصحيح وهو الألياف أولاً، البروتين والدهون ثانياً، الكربوهيدرات والسكريات آخراً. الفكرة في الموضوع هو تناول الأطعمة العالية بالألياف قبل غيرها. لكن لماذا التركيز على الألياف؟؟
تؤثر الألياف في الجسم من عدة جوانب، حيث إنها تقلل من وظيفة هرمون ألفا-أميليز وهو الهرمون المسؤول عن تفكيك النشأ إلى سكر. كذلك تعمل على تقليل سرعة إفراغ المعدة من الطعام مما يُشعر الفرد بالشبع لفترة أطول. كما تشكل الألياف حاجز في جدار الأمعاء تقلل من امتصاص جزيئات السكر للدم.
الحيلة الثانية: إضافة طبق سلطة خضراء في بداية وجبتك.
تعقيباً إلى ما تم ذكره في الحيلة الأولى عن الألياف فإن الألياف النباتية بالذات تُعد مصدر غذائي جيد للبكتيريا النافعة في الأمعاء، وفوائد هذه البكتيريا كثيرة منها تقليل مستوى الكولسترول في الدم.
الحيلة الثالثة: توقف عن حساب السعرات الحرارية
الأهمية تكمن في نوع العنصر الذي تأتي الطاقة منه وليس كمية الطاقة، العنصر وتأثيره على مستوى السكر في الدم. فتأثير الجلوكوز يختلف عن الفركتوز، وتأثير البروتين والدهون يفرق عن تأثير الجلوكوز. ما ظهر من خلال الأبحاث أنه حتى لإنقاص الوزن لا يُعتد بكمية السعرات أكثر من أهمية الحفاظ على مستوى السكر الطبيعي بالدم.
الحيلة الرابعة: تناول إفطار يعمل على تسطيح مستوى السكر.
المغزى من ذلك أنه في الصباح الباكر يكون الجسم أشد حساسية للجلوكوز، والمعدة فارغة لذلك أي طعام تتناوله يتم هضمه وامتصاصه بسرعة مهولة.
الحيلة الخامسة: تناول أي نوع من السكر الذي تحبه
كلها نفس الشيء مهما اختلفت ألوانها (أبيض أو أسمر) أو طعمها أو مصدرها. كلها تحوي الجلوكوز والفركتوز الذي يعمل على رفع مستوى السكر في الدم. فأجسامنا لا تتعامل مع السكر القادم من الشمندر بصورة مختلفة من سكر التمر أو المانجو على سبيل المثال. صحيح أنه قد يحتوي بعضها على عناصر أخرى مفيدة مثل الألياف أو المعادن أو الفيتامينات المفيدة، لكن الفركتوز والجلوكوز يظل تأثيره للجسم على نفس الحال.
الحيلة السادسة: اختر تناول الحلى على الوجبات الخفيفة السكرية
أن تأكل الحلى بعد وجبة الطعام تأثيرها أقل من تناول الوجبات الخفيفة (السناكس) بمفردها، والسبب مثلما ذكرنا سابقاً يعود إلى الألياف والبروتين الذي تناولته للتو في وجبتك الرئيسية ودوره في إبقاء مستوى السكر ثابتاً في الدم. بالنسبة للوجبات الخفيفة عندما يتم تناولها بين الوجبات فإنها تُجهد الجسم وتجعله في حالة مستمرة في عملية الهضم معظم الأوقات في يومنا قد تمتد إلى ٢٠ ساعة، بحيث لا يجد الجسم وقته في عمليات التنظيف والإصلاح التي تقوم بها الأعضاء والخلايا بعد عملية الهضم. انخفاض مستوى السكر يجعل مستويات الأنسولين تنخفض ليقوم الجسم بالانتقال لحرق الدهون بدل تخزينها وهو ما يُعرف بالاستقلاب المرن وهو دلاله على صحة العمليات الأيضية في الجسم. يمكن الوصول لهذه الحالة من خلال الاكتفاء بتناول الوجبات الرئيسية فقط أو من خلال الصوم المتقطع.
الحيلة السابعة: تناول الخّل قبل الطعام
أظهرت الدراسات أن تناول الخّل قبل دقائق من الوجبة يعمل على خفض الارتفاع الحاد للسكر المصاحب للأكل والسبب يعود إلى حمض الخليك الموجود فيه. يعمل هذا الحمض على كبح عمل إنزيم ألفا-أميليز الذي يُحّول الكربوهيدرات إلى سكر والنتيجة تقليل السكر الممتص من الجهاز الهضمي للدم. كما أن هذا الحمض يحفز العضلات على تسريع تحويل السكر إلى كلاجين. بهذا الطريقة يحدث أمران هما بطيء امتصاص السكر، وسرعة امتصاصه من مجرى الدم، مما يجعل مستواه مستقر في كلا الحالتين.
الحيلة الثامنة: مارس بعض الحركة بعد وجبة الطعام.
أظهر الدراسات أن المشي لمدة ١٠ دقائق يُسهم بصورة كبيرة في الحفاظ على مستوى مستقر للسكر في الدم والسبب يرجع لاستخدام العضلات للجلوكوز الجاهز للحرق وإنتاج الطاقة.
الحيلة التاسعة: إذا تناولت وجبات وخفيفة (سناك) فتناول المالح منها وتجنّب السكريات والنشويات.
الحيلة العاشرة: غلّف أطعمة الكربوهيدرات
يُقصد به ألا تأكل الكربوهيدرات وحدها وإنما بدمج معها شيئاً من البروتين أو الدهون أو الألياف حتى تُسهم في تقليل قفزات مستوى السكر بالدم.
ختاماً: يمكنك تطبيق واحدة من هذه الحيل أو تجمع بينها لتحقق نتيجة أفضل، فكلها تعمل لدى الجميع، خصوصا عندما تصل عندك الرغبة لتناول طعام ما يسهم في ارتفاع قفزات السكر، اجمع أكثر من حيلة لتخرج بأقل الأضرار الممكنة.
إعداد وترجمة
هلال آل الشيخ


أضف تعليق