السر الياباني لعيش حياة مثمرة وسعيدة

“النشاط يجعلك ترغب في العيش لمائة عام” مثل ياباني
تمهيد
يبحث البشر دائماً عن معنى ما يفعلونه، والطرق التي تمكنهم من عيش حياتهم. هل الهدف هو العيش لمدة أطول؟ أم السعي لتحقيق هدف أسمى؟ لماذا يعرف بعض الناس ما يريدونه ويتمتعون بشغف الحياة، بينما يعاني آخرون الارتباك والتشويش؟
الإيكيجاي والعمر الطويل
يستعرض الكتاب كيف استطاع اليابانيون معرفة هدفهم في الحياة وتأثيره على صحتهم وسعادتهم، وهو ما يُعرف بمصطلح “إيكيجاي” وتعني سعادة الانشغال الدائم، وهو سر ياباني لعيش حياة مثمرة وسعيدة نتج عنه طول عمر استثنائي لديهم بجانب اتباعهم لنظام صحي وعيش حياة بسيطة في الهواء الطلق وتناول الشاي الأخضر والعيش في مناخ شبه استوائي. لذلك نجدهم عندما وجدوا الإيكيجاي الخاص بهم فإنه يدفعهم لعمل ما يُحبون طول حياتهم دون أن يعرفوا التقاعد.
يأخذنا مفهوم العمر الطويل إلى مصطلح “المناطق الزرقاء” وهي المناطق الجغرافية حول العالم التي يعيش فيها الناس عمراً أطول عن غيرهم. واشتهرت من بينها قرية أوكيناوا في جنوب اليابان، حيث تجمعهم مبادئ وأسس يتبعونها أدت لعيشهم الطويل وهي:
١) نظام غذائي صحي مع ممارسة التمارين بشكل يومي.
٢) إيجاد هدف في الحياة وخلق روابط اجتماعية قوية.
مما يتميز به اليابانيون بشكل عام في نمط حياتهم هو أنهم يتناولون الطعام بحيث لا تمتلأ معدتهم أكثر من ٨٠٪، كما أنه لا توجد لديهم أطباق جانبية أو وجبات خفيفة، ويقدمون الطعام في أطباق صغيرة متعددة. أما الروابط الاجتماعية بينهم وثيقة مشكّلة معهم ما يُعرف بـ”مواي” وهي مجموعة من الأفراد تربطهم اهتمامات مشتركة، يعتنون ببعضهم البعض ويقدمون الدعم المادي والمعنوي.
بجانب المبادئ الأساسية للعيش الطويل التي ذُكرت أعلاه فإنه هناك أشياء صغيرة تساندها وهي:
١) العقل النشط: تمرين العقل باستمرار بالمعلومات الجديدة تُعرّضه للتغيير ويُحفّزه للتعامل مع الآخرين بشكل أفضل، ويُسهِم على تشكيل شبكة روابط عصبية جديدة في الدماغ. وهو ما يعرف في المجال العلمي :اللدونة العصبية “neuroplasticity” .
٢) التوتر: قاتل العمر الطويل، يُحفّز الشيخوخة في الجسم. وهو ما تم اثباته على مستوى خلايا الجسم، حيث يُضعف بنيتها الهيكلية ويُؤثر على تجديدها. التوتر استجابة طبيعية للمخاطر التي نواجها وهو ردّة فِعل مفيدة للتعامل مع المواقف الصعبة من خلال تهيئة الجسم للدفاع عنه، لكن أن يكون هذا التوتر في حالة مستمرة يُخلّف آثار ثانوية خطيرة كالأرق والقلق وارتفاع ضغط الدم. لذا على الفرد ممارسة الوعي في حياته بملاحظة ردود أفعاله والتركيز على اللحظة الراهنة وعدم تشتيت أفكارنا بأمور كثيرة.
٣) كثرة الجلوس تجعلك تشيخ: قضاء الكثير من الوقت جالساً في البيت أو العمل لا يقلل من اللياقة الجسدية وحسب بل يزيد الشهية، ويحد من الرغبة بالمشاركة ف الأنشطة لذلك يكونون أكثر عرضة لأمراض القلب والشرايين.
٤) النوم أداة قوية للحصول على جسم صحي، حيث يعمل الميلاتونين الذي يُفرز خلال النوم على تقوية الجهاز المناعي، ويبطئ ظهور مرض الزهايمر وهشاشة العظام.
٥) الأفكار المضادة للشيخوخة: المواقف الايجابية، والتمتع بدرجة عالية من الوعي العاطفي، أي يستطيعون رؤية الحياة من منظور يمكّنهم من إدارة مشاعرهم بطريقة جيدة تُسهم في طول العمر.
من العلاج بالمعنى إلى الإيكيجاي
ظهر في علم النفس ما يصطلح عليه “العلاج بالمعنى” الذي يُوجّه المرضى لاكتشاف واعي لهدف حياتهم ليتمكنوا من مواجهة عِلّتهم، ويُحفزّهم للمضي قدماً وكسر القيود الذهنية الخاصة بالماضي. العثور على المعنى لا يأتي بالسهولة، إنما يحتاج لجهد كبير يبذله الفرد من خلال التركيز في إطالة الوقت الذي يقضيه في الأنشطة التي توصله “لحالة التدفق” وهو الانغماس في ما نحب عمله، بدل السماح لأنفسنا بالانخراط في أنشطة توفر المتعة الفورية، كالمبالغة في الطعام أو إدمان المخدرات والكحول أو حتى وسائل التواصل الإلكتروني.
هناك استراتيجيات تساعد للوصول لحالة التدفق في العمل، يمكنك اتباعها خصوصا إذا كنت تجد نفسك تفقد التركيز أثناء العمل على شيء تعتبره مهماً:-
١) اختيار مهمة صعبة لتكون بمثابة تحدٍ لك، شرط أن لا تكون صعبة جداً تفوق قدراتك وتسبب القلق لك. بالمقابل ليست سهلة فينتابُك الملل.
٢) التركيز على مهمة واحدة دون ترك أنفسنا للتشتيت، فالعقول التي تنتقل باستمرار بين المهام فإنها ستهدر الوقت وترتكب الكثير من الأخطاء. فالدراسات بينت أن الإنتاجية تقل بحوالي ٦٠٪ ومعدل الذكاء ينخفض بأكثر من ١٠ نقاط.
نظام إيكيجاي الغذائي
تمت دراسة ومناقشة حمية قرية أوكيناوا بجنوب اليابان المشهورة بالمعمّرين. ومما استنتج العلماء منها:
١) يتناول السكان المحليون مجموعة متنوعة من الأطعمة بشكل منتظم خاصة الخضروات حيث تصل لـ ٢٠٦ أطعمة مختلفة من بينها التوابل.
٢) يتناولون خمس حصص على الأقل من الفواكهة والخضروات كل يوم بما لا يقل عن سبعة أنواع منها. وتكون ٣٠٪ من السعرات الحرارية تأتي من الخضروات.
٣) الحبوب هي أساس نظامهم كالأرز الذي هو الغذاء الأساسي هناك.
٤) نادراً ما يتناولون السكر، وإذا فعلوا يكون سكر القصب، يستهلك سكان أوكيناوا ثلث مقدار السكر مقارنة بما يتناوله بقية سكان اليابان.
٥) يتناول السكان الأسماك بمعدل ٣ مرات اسبوعياً، أما اللحم مرة أو مرتين في الاسبوع.
٦) يستهلكون حوالي نصف مقدار الملح مقارنة بما يستهلكه بقية سكان اليابان.
٧) معدل السعرات الحرارية التي يتناولونها أقل عن غيرهم حيث تبلغ حوالي ١٧٨٥ سعرة حرارية في اليوم.
اليابانيون بصفة عامة طعامهم أقل، وهذا أسلوب صحي ومفيد للجسم حسب الدراسات العلمية، فتناول سعرات حرارية أقل دون تطرّف يُسهم بطول العمر مع التركيز على تناول الأغذية ذات القيمة الغذائية العالية. أما عن الشرب فهم يتناولون الشاي الأخضر بكثرة والذي يتركز فيه مركب البوليفينول وهو أكثر منتج طبيعي غني بمضادات الأكسدة. كذلك تشتهر اليابان بالشيكواسا وهي فاكهة حمضية تحوي مستويات عالية من مركب النوبليتين الغني كذلك بمضادات الأكسدة.
حركة خفيفة، حياة أطول
ما هو شائع في المناطق الزرقاء أن المعمّرين هناك لا يقومون بقدر كبير من التمارين الرياضية، بل هم أشخاص أكثر تحركاً حتى للذين أعمارهم فوق الثمانين والتسعين لا يزالون محتفظين بنشاطهم. يكثرون السير ويتوجهون للخارج للاعتناء بحدائقهم. تجدهم قلما يجلسون، فالجلوس لمدة طويلة له تأثيرات سيئة كما ذكرنا سابقاً، وذكرت الدراسات أن العمليات الأيضية تتباطأ بنسبة ٩٠٪ بعد نصف ساعة من الجلوس. ما نستنتجه أنه من الضروري تكوين عادات روتينية في الحركة يومياً حتى تبقي حيوية الجسم ونشاطه.
المرونة وتحديات الحياة
المرونة هي القدرة على التعامل مع النكسات في مواجهة تحديات الحياة. كلما كنا أكثر مرونة، سَهُل علينا استجماع شتات أنفسنا ونعود إلى ما يُعطي المعنى لحياتنا. فالتركيز على الأهداف دون الاستسلام للمثبطات والمتغيرات التي تواجهنا.
هناك أيضا المرونة العاطفية التي تشير إلى القدرة على التحكم في المشاعر والملذات بحيث لا ينتج عنها سلبية في الحياة، إن الهدف الذي يسعى إليه الفرد هو حالة من الهدوء وغياب القلق والخوف والخجل والغرور والغضب. في المقابل تنتشر السعادة والحب والصفاء والامتنان.
الخاتمة
يختلف الإيكيجاي من شخص لآخر، لكن هناك شيئا واحداً مشتركاً بيننا وهو أننا جميعا نبحث عن المعنى. عندما نقضي أيامنا مستشعرين بأننا نقوم بالأمور التي تهمنا، نشعر بالمزيد من الرضا، وعندما يغيب هذا الشعور ينتابنا اليأس.
هناك قواعد عشر استنتجها مؤلفا الكتاب من معمّرين اليابان:
١) ابقَ نشيطاً ولا تتخلَ عن الأشياء التي تحب القيام بها حتى لا تفقد الهدف من الحياة.
٢) تحرّك ببطء فالعجلة تتناسب عكسياً مع جودة الحياة. كما يقول المثل الياباني “سر ببطء وستذهب بعيداً”،
٣) لا تملأ معدتك: القليل أفضل لتحافظ على صحتك والعيش لمدة أطول.
٤) احط نفسك بالأصدقاء المقربين: فهم دواء وجدوا لأجلك ولتهدئة مخاوفك، فهم موجودون كي تعيش.
٥) حافظ على لياقتك البدنية للتمتع بحياة طيّبة. فالمياه دائمة الحركة وأفضل حالاتها عندما تتدفق لا أن تكون راكدة.
٦) ابتسم فالابتهاج يجعلك مسترخياً.
٧) أعد التواصل مع الطبيعة والعودة إليها من حين لآخر لإعادة شحن أنفسنا.
٨) أظهر امتنانك وعبّر عنه في ما حولك ليضئ أيامك ويُشعرك بأنك محظوظ على قيد الحياة.
٩) عِش اللحظة وتوقف عن الندم على الماضي والخوف من المستقبل.
١٠) اسعَ خلف إيكيجاي الخاص بك. هناك شغف بداخلك وموهبة فريدة تُعطي معنى لحياتك وتَحرك لتقديم أفضل ما لديك حتى النهاية.
تلخيص: هلال آل الشيخ


أضف تعليق